gocorporation
download
التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن - 9
203
عناصر المادة:

الطالب:

القاعدة الرابعة والخمسون

كثيرًا ما ينفي الله الشيء لانتفاء فائدته وثمرته المقصودة منه وإن كانت صورته موجودة

وذلك أنَّ الله خلق الإنسان وركَّب فيه القُوى مِنَ السمع، والبصر، والفؤاد وغيرها، ليعرف ربه، ويقوم بحقّه، فهذا المقصود منها، وبوجود ما خُلقت له تكمُل ويكمُل صاحبها، وبفقد ذلك يكون وجودها أضرَّ على الإنسان من فقدها، فإنها حُجَّة الله على عباده، ونعمته التي توجد بها مصالح الدين والدنيا.فإمَّا أن تكون نعمة تامة إذا اقترن بها مقصودها، أو تكون محنة وحُجَّة على صاحبها إذا استعملها في غير ما خُلقت له، ولهذا كثيرًا ما ينفي الله تعالى هذه الأمور الثلاثة من أصناف الكفار والمنافقين كقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة:١٧١]، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأنعام: ٣٧]، وقال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: ١٧٩]، فأخبر أن صورها موجودة، ولكن فوائدها مفقودة، وقال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، وقال تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [الروم: ٥٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١]، فأثبت لهم الكفر من كل وجه، فلم يكن دعواهم الإيمانَ ببعض من يقولون: آمنا به من الكتب والرسل بموجب لهم الدخول بالإيمان؛ لأن إيمانهم بهم مفقودة فائدته، حيث كذَّبوهم في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وغيره من الرسل الذين لم يؤمنوا بهم، وحيث أنكروا من براهين الإيمان أعظم من الطريق الذي أثبتوا به رسالة من ادعوا الإيمان به.وكذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، لما كان الإيمان النافع هو الذي يتفق عليه القلب واللسان، وهو المثمر لكل خير، وكان المنافقون يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، نفى عنهم الإيمان لانتفاء فائدته وثمرته، ويشبه هذا ترتيب الباري كثيرًا من الواجبات والفروض على الإيمان كقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٢٢]، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣]. وقال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُإلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ [الأنفال: ٤١]، وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤]. وذلك أن الإيمان الواجب يقتضي أداء الفرائض والواجبات، ويقتضي اجتناب المحرمات، فما لم يحصُل ذلك فهو إلى الآن لم يتم ولم يتحقق، فإذا وُجِدت هذه الأمور تحقق، ولهذا قال: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا. وكذلك لما كان العلم الشرعي يقتضي العمل به، والانقياد لكتبه ورسله، قال تعالى عن أهل الكتاب المنحرفين: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٠١]. ونظير ذلك قول موسى عليه السلام، لما قال له بنو إسرائيل: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة: ٦٧]، فكما أن فقد العلم جهل، ففقْد العمل به جهل قبيح. الشيخ: خلاصة هذه القاعدة: أنَّ الله تعالى قد ينفي الشيء لانتفاء ثمرته وفائدته، وهذا واقع في الكتاب والسُّنَّة، قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١].وقال عَزَّ وَجَلَّ في آيات كثيرة: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، لَا يَعْقِلُونَوما أشبه ذلك، وهم عندهم علم وعندهم عقل، لكن لمَّا لم ينتفعوا بهذا، صار وجودهم كعدمه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ» . مع أن الصلاة تُوجب ولو بحضرة الطعام، لكن نفاها لانتفاء ثمرتها وفائدتها؛ لأن من يدافع الأخبثين أو يحضره طعام يشتاق إليه فإنه سوف يصلي وقلبه معلَّق بهذا الشيء، منشغل بمدافعته، فتكون صلاته كأنها لا صلاة. إذن من هذه القاعدة نأخذ، أو هذه القاعدة مضمونها: أنَّ الشيء قد يُنفى لانتفاء حقيقته، وهذا هو الأصل، وقد يُنفى لانتفاء ثمرته وفائدته، وهذا كثير، وإن كان خلاف الأصل، لكن ما لا يُنتفع به فوجوده كالعدم، بل إن وجوده أضرّ، فإن من لا يسمع إطلاقًا خير ممن يسمع ولا ينتفع، بلا شك، واضح يا جماعة القاعدة هذه؟فإذا قال لك قائل: كيف يقول الله لهؤلاء الأذكياء: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَوما أشبه ذلك؟ نقول: لأنهم لم ينتفعوا بهذا العقل، فصار موجودًا كأنه معدوم.

***

الطالب:

القاعدة الخامسة والخمسون

يُكتب للعبد عمله الذي باشره، ويُكمَّل له ما شرع فيه وعجز عن تكميله، ويُكتب له ما نشأ عن عمله

فهذه الأمور الثلاثة..الشيخ: ثلاثة أمور: يُكتب للعبد عمله الذى باشره، وهذا واضح مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام: ١٦٠]، ويكمَّل له ما شرع فيه ولم يكمِّله، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠]. والثالث: يُكتب له ما نشأ من عمله، «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» .ويكتب له ما تركه لعذرٍ وكان يعمله، وهو موضع رابع، يُسوى له ما كان يعمله وتركه لعذر، مثل: مَنْ مرض أو سافر كُتب له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا، فهذه أربعة أمور كلها تُكتب للإنسان، أما النية مجرد النية، فإنه يُكتب للإنسان إذا تمنَّى العمل الصالح ولم يقدر عليه، يُكتب له أجر النية، ومن ذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام حين قسَّم الناس إلى أقسام:منهم من آتاه الله مالًا فهو يُنفقه في طاعة الله، فقال الآخر الذي لم يُؤتَ المال: لو أنَّ لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل عمل فلان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ» . بالنية لا بالعمل؛ لأنه لم يعمل وليس من عادته أن يعمله، فلو كان من عادته أن يعمله، لكُتب له ما كان يعمل إذا تركه لعذر.فإن قلت: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ» قَالُوا: يَا رسول الله، وهم في المدينة؟ قال: «وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» ؟ فهذا يقتضي أنهم مشاركون في أجر العمل، أو ظاهره أنهم مشاركون في أجر العمل. فالجواب: أن يُحمل هذا على من كان من عادتهم الخروج في الجهاد في سبيل الله، ولكن عُذروا، حبسهم العذر، وهؤلاء يؤتَون أجرهم كاملًا، أو يقال: ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهو معكم -يعني بنيّتهم- فيكون لهم أجر النية، لا أجر العمل، فصارت الأقسام كم؟الطلبة: ثلاثة.الشيخ: أربعة أو خمسة:- مَنْ عمل عملًا كُتِبَ له أجر.- مَنْ شرع فيه فلم يكمِّله كُتب له أجر.- ما نشأ من عمله، وإن لم يكن على باله حين الفعل كُتب له أجر.- ما كان يفعله وتركه لعذر يُكتب له أجر.- ما تمنَّاه ولم يقدر عليه يُكتب له أجر، لكن أجر النية فقط لا أجر العمل.والدليل على أنه أجر النية فقط: أن الفقراء لَمَّا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكون قالوا: يا رسول الله، سبق أهل الدثور بالأجور والدرجات العُلا، ثم ذكروا أنهم يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُعتقون ولا نُعتق، فأخبرهم بأن يسبِّحوا ويحمدوا ويكبِّروا ثلاثًا وثلاثين دُبر كل صلاة، وأنهم بذلك يدركون من سبقهم، ولا يكون أحد أفضل منهم، فلما سمع الأغنياء بذلك عملوا مثله، فجاء الفقراء فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا الأغنياء بما صنعنا فصنعوا مثله، فقال لهم: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» ، ولم يقل: لكم أجرهم بنيتكم، فهذا دليل على ما ذكرناه بأن من تمنَّى العمل، وليس من عادته فعله، ولا يستطيع فعله فإنه يُكتب له أجره بالنية.

***

الطالب: فهذه الأمور الثلاثة وردت في القرآن، أما الأعمال التي باشرها العبد، فأكثر من أن تُحصى النصوص الدالة عليها؛ لقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة: ١٠٥]، لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦]، لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ [يونس: ٤١] ونحو ذلك.وأما الأعمال التي شرع العبد فيها ولما يكملها، فقد دل عليها قوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠]، فهذا خرج للهجرة، وأدركه الأجل قبل تكميل عمله، فأخبر تعالى أنه وقع أجره على الله، فكل من شرع في عملٍ من أعمال الخير، ثم عجز عن إتمامه بموتٍ أو عجز بدني، أو عجز مالي، أو مانع داخلي أو خارجي، وكان من نيته لولا المانع لأتمه فقد وقع أجره على الله، فإنما الأعمال بالنيات.طالب آخر: المراد بـ(لَمَّا) ولما يكملها؟ الشيخ: الظاهر أنها ما هي مرادة، تدل قرب التكميل له (...)، لما عندنا؛ لأن لما تفيد القرب؛ قرب الانتهاء.

***

الطالب: وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: ٦٩]، فكل من اجتهد في الخير هداه الله الطريق الموصلة إليه، سواء كمُل ذلك العمل، أو حصل له عائق عنه.وأما آثار أعمال العبد: فقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا [يس: ١٢] أي: باشروا عمله.وَآثَارَهُمْالتي ترتَّبت على أعمالهم من خير وشر، وقال في المجاهدين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ.. الشيخ: ويدل على هذا: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، والعكس السيئة، فالإنسان يُكتب له آثار عمله حتى وإن لم يقصدها، زرع رجل زرعًا، غرس غرسًا، فانتفع به من لم يخطر بباله أن ينتفع به يؤجر على ذلك؟ نعم، يؤجر على ذلك، وإن كان لم يكن في باله حين غرس الغرس، أو زرع الزرع، لكن هذا نشأ عن عمله.

***

الطالب: وقال في المجاهدين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: ١٢٠]، فكل هذه الأمور من آثار عملهم.ثم ذكر أعمالهم التي باشروها بقوله: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةًإلى آخر الآية [التوبة: ١٢١] والأعمال التي هي من آثار عمله نوعان:أحدهما: أن تقع بغير قصد من الإنسان، كأن يعمل أعمالًا صالحة خيرية، فيقتدي به غيره في هذا الخير، فإن ذلك من آثار عمله، وكمن يتزوج بغير نية حصول الأولاد الصالحين، فيعطيه الله أولادًا صالحين، فإنه ينتفع بهم وبدعائهم.والثاني -وهو أشرف النوعين-: أن يقع ذلك بقصده، كمن علّم علمًا نافعًا، فنفس تعليمه ومباشرته له من أجلِّ الأعمال، ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك، فإنه من آثار عمله.وكمن يفعل الخير ليقتدي به الناس، أو يتزوج لأجل حصول الذرية الصالحين، فيحصل مراده، فإن هذا من آثار عمله، وكذلك من يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا، أو يباشر صناعة مما ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد قصد بذلك حصول النفع، فما ترتب من نفع ديني أو دنيوي على هذا العمل فإنه من آثار عمله، وإن كان يأخذ على عمله الأخير أجرًا وعوضًا، فإن الله يُدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، وراميه، والمُمِد له. الشيخ: طبعًا هذه القاعدة واضحة.الطالب: ما يشكل عليه (...) معذورة شرعًا.الشيخ: إي نعم، صحيح نقص دينها، لكنه نقص لا تُلام عليه.الطالب: ولكن لماذا لا يحصل لها الأجر فتكون (...)؟الشيخ: يكفي أجر الامتثال، كل إنسان ليس عنده مال فإنه ينقص دينه بعدم الزكاة، ومع ذلك ما يحصل الأجر لعدم وجود السبب.الطالب: لكن (...) الصلاة والعبادات؟الشيخ: نعم، لكن لما وُجد المانع، هذا المانع طغى على السبب، فزال أثره بالكلية.الطالب: وهل لها أجر النية أو أجر العمل؟الشيخ: أبدًا، ما لها شيء، لها أجر الامتثال بترك الصلاة. الطالب: ما الفرق بينها وبين المريض يا شيخ؟الشيخ: المريض كان من عادته أن يعمل. الطالب: (...).الشيخ: إي نعم، هذه الظاهر -والله أعلم- أنه لما منعها الشرع ونهاها عن ذلك صارت ليست محلًّا للعمل الصالح الآن، فهي بمنزلة اليوم، يوم العيد مثلًا ليس محل الصوم، فلو صامه الإنسان لم يؤجر عليه، ولو نوى أنه يصومه لولا المانع ما يؤجر عليه، هذا هو الفرق.طالب: بالنسبة (...) الآن الجهاد في أفغانستان، الإنسان لا يستطيع أن يذهب، ولكن يتمنى أن يحصل على الجهاد، هل يحصل على..؟الشيخ: وهو ما يستطيع يتبرع.طالب: لأنه ما عنده قوة وخبرة بالسلاح والرمي..الشيخ: إذن يكون كالمريض إذا نوى بنية صادقة، فإن الله تعالى قد يبلغه منازل الشهداء كما جاء في الحديث: «مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنِيلُهُ دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ» . الطالب: (...).الشيخ: هذه ما هي الموانع، (...) هذه ليست موانع.طالب: بر الوالدين.الشيخ: لا، بِر الوالدين مقدَّم على الجهاد لا شك، فهنا تعارض مصلحتان؛ مصلحة البر ومصلحة الجهاد، ومصلحة البر أولى.الطالب: لكن يحصل على أجر الجهاد؟الشيخ: ما يحصل يقال: أنت الآن حصَّلت أجرًا خيرًا من ذلك.الطالب: بالنسبة يا شيخ لعدم القدرة؛ يعني يتدرب.الشيخ: منين يتدرب؟ طالب: لكن في نظام ما يسافر إلا من بلغ بعد العشرين لا بد من إذن الوالد صريح. الشيخ: الآن صار، اللي ما بلغ واحدًا وعشرين، إي نعم.على كل حال الجهاد في سبيل الله في الأفغان، الحمد لله الآن بذل المال جهاد، وأحد شطري الجهاد: المال والنفس.

***

الطالب:

القاعدة السادسة والخمسون

يُرشد القرآن المسلمين إلى قيام جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقوم بها، ويوفِّر وقته عليها لتقوم مصالحهم، وتكون وجهتهم جميعًا واحدةوهذه من القواعد الجليلة، ومن السياسة الشرعية، فإن كثيرًا من المصالح العامة الكليَّة لا يمكن اشتغال الناس كُلهم بها، ولا يمكن تفويتها؛ فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه، قال تعالى في الجهاد الذي هو من أعظم مصالح الدين والعلم: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية، وبالعلم طائفة أخرى، وأنَّ القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت، وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات الدالات على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة، وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها؛ لأن كل فرد مأمور أن يُراعي المصالح الكلية، ويكون سائرًا في جميع أعماله إليها، فلو وُفِّق المسلمون لسلوك هذا الطريق لاستقامت أحوالهم، وصلحت أمورهم، وانجابت عنهم شرور كثيرة، والله المستعان. الشيخ: وهكذا الأمة الواحدة يكون كل طائفة منها تقوم بمصلحة؛ لأن قيام الجميع بالمصالح مُتعذّر، إذ لو فرضنا أن الناس اتجهوا إلى مصلحة واحدة معينة تعطلت المصالح الأخرى، وتركهم للمصالح الكلية أيضًا فساد، فلذلك نقول: المؤمنون يُعتبرون وإن كانوا أفرادًا متعددين، لكنهم كأنهم جسدٌ واحد، فالرِّجل للمشي، واليد للبطش، لو أن أحدًا قال: باخلِّي اليدين للمشي، والرِّجلين للبطش والأكل والشرب، يمكن ولَّا لا؟ طلبة: لا يمكن. الشيخ: طبعًا لا يمكن، كذلك الأصابع، كل أصبع له وظيفة خاصة يقوم بها، لا يمكن أن تجتمع الأصابع على وظيفة واحدة، ولا يمكن أن تتخلى عن الوظائف، هكذا الجسد الإسلامي يجب أن يكون المسلمون كلٌّ يسعى في مصلحة معينة تليق به، فالرَّجل مثلًا ضعيف الجسم قوي الذاكرة والحفظ والفهم، نقول: طلب العلم له أفضل، والرَّجل البليد القوي، قوي الجسم لكنه بليد؛ تكرِّر عليه المسألة أربعين مرة ما يحفظها إلا بخمسين مرة، إلا أنه شجاع ومقدام ومتمرس في الجهاد، نقول: الأفضل له الجهاد في سبيل الله، والرجل الآخر عنده حنكة في الصناعة، أو في الطب، أو ما أشبه ذلك، نقول: اتجه لهذا حتى تقوم الأمة الإسلامية كلٌّ بما يدرك ويختص به، هذا الذي ذكره الشيخ -رحمه الله- صحيح هي قاعدة نافعة. وقد ذكر من القرآن أدلة وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢]، وقول: مَا كَانَيحتمل أن يكون مستحيلًا شرعًا أو مستحيلًا قدرًا وكونًا، وأقل الأمرين أن يكون مستحيلًا شرعًا، لا يمكن أن يذهبوا كلهم للجهاد، بل بعضهم يبقى للعلم، وبعضهم يذهب للجهاد فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢]. (...) أيضًا وزّع الجهاد، ما نقول: تخرج القبيلة الفلانية للجهاد وبقية القبائل يبقون، نقول: من كل فرقة منهم طائفة، نأخذ من بني تميم، من قريش، من كذا، من كذا من كذا، طائفة يتفقهون في الدين، وإذا تفقهوا في الدين، وحفظوا دين الله جاءت الفرقة المجاهدة فيُنْذَرون وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: ١٢٢]، وعلى هذا فالواو في قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة: ١٢٢] تعود على القاعدين أو على النافرين؟طلبة: على القاعدين. الشيخ: على القاعدين، والله عَزَّ وَجَلَّ قد جعل الجهاد في سبيل الله عديلًا للضرب في الأرض للتجارة، فقال: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُإلى آخره [المزمل: ٢٠].كذلك أيضًا الآية الثانية التي ذكر: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران: ١٠٤] مِنْكُمْما هو كلكم، وإن كان بعض العلماء يقول: إن (مِن) بيانية؛ أي: ولتكونوا على هذا الوصف؛ يعني ولتكونوا أُمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، لكن المعنى الأول هو الذى عليه أكثر الناس، أي أنه يجب أن يكون من الأمة الإسلامية أُمة متفرِّغة لهذا الشيء، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ومن المعلوم أن الدعوة للخير لا بد أن يسبقها علم، وإلا كانت ضررًا، إذ إن الإنسان إذا دعا بدون علم صار ضرره أكثر من نفعه غالبًا، فلا بد من العلم حتى يكون الإنسان داعيًا إلى الله على بصيرة.

***

الطالب: قال رحمه الله تعالى:

القاعدة السابعة والخمسون

في كيفية الاستدلال بخلق السماوات والأرض وما فيهما على التوحيد والمطالب العالية

قد دعا الله عباده إلى التفكر بهذه المخلوقات في آيات كثيرة، وأثنى على المتفكرين فيها، وأخبر أنَّ فيها آياتٍ وعِبَرًا، فينبغي لنا أن نسلك الطريق المنتِج للمطلوب بأيسر ما يكون وأوضح ما يكون.وحاصل ذلك على وجه الإجمال: أننا إذا تفكَّرنا في هذا الكون العظيم، عرفنا أنه لم يُوجد بغير موجد، ولا أوجد نفسه هذا أمرٌ بديهي فتيقنَّا أنَّ الذي أوجده الأول الذي ليس قبله شيء، كامل القدرة، عظيم السلطان، واسع العلم، وأن إيجاد الآدميين في النشأة الثانية للجزاء أسهل من هذا بكثير: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس [غافر: ٥٧]، وعرفنا بذلك أنه الحي القيوم، وإذا نظرنا ما فيها من الإحكام والإتقان والإحسان والإبداع عرفنا بذلك كمال حكمة الله.. الشيخ: قد عرفنا أنه الحي القيوم، كيف ذلك؟ لأنه لولا حياته لم يوجد، والقيوم على وزن (فَيْعُول)، فهو من صيغة المبالغة، وهو القائم بنفسه القائم على غيره.ووجه ذلك أن هذه السماوات والأرض دائمًا تحتاج إلى من يقوم عليها، ولازم هذه الحاجة أن يكون الله تعالى قيُّوم عليها دائمًا، لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم.

***

الطالب: وإذا نظرنا ما فيها من الإحكام والإتقان والحسن والإبداع عرفنا بذلك كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه، وإذا رأينا ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية والكمالية التي لا تُعد ولا تحصى، عرفنا بذلك أنَّ الله واسع الرحمة، عظيم الفضل والبِر والإحسان والجود والامتنان. وإذا رأينا ما فيها من التخصيصات فإن ذلك دالٌّ على إرادة الله ونفوذ مشيئته.ونعرف بذلك كله أنَّ مَنْ هذه أوصافه وهذا شأنه هو الذي لا يستحق العبادة إلَّا هو، وأنه المحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يُصرف خالص الدعاء إلا له لا لغيره من المخلوقات المربوبات المفتقِرات إلى الله في جميع شؤونها.ثم إذا نظرنا إليها من جهة أنها كلها خُلقت لمصالحنا، وأنها مسخَّرة لنا، وأن عناصرها وموادها وأرواحها قد مكَّن الله الآدمي من استخراج أصناف المنافع منها، عرفنا أن هذه الاختراعات الجديدة في الأوقات الأخيرة، من جملة المنافع التي خلقها الله لبني آدم فيها، فسلكنا بذلك كل طريق نقدر عليه في استخراج ما يُصلح أحوالنا منها، بحسب القدرة، ولم نخلُد إلى الكسل والبطالة، أو نُضيف علم هذه الأمور واستخراجها إلى علوم باطلة، بحُجَّة أن الكفار سبقوا إليها، وقاموا فيها، فإنها كلها كما نبَّه الله عليه داخلةٌ في تسخير الله الكون لنا، وأنه يُعلِّم الإنسان ما لم يعلم.الشيخ: أما دلالة هذه المخلوقات على التوحيد من جهتين: الأول: أن هذه الأشياء كلها لا تتم إلَّا بازدواج شيئين، كل الأشياء لا تتم إلا بازدواج شيئين؛ قال الله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]. وافتقار كل واحد من هذه المخلوقات إلى شيء آخر لتقوم العناصر دليل على وحدانية من جعل هذه الأشياء مفتقرًا بعضها إلى بعض. ثانيًا: أنَّ هذه المخلوقات نظامها واحد، لا تضطرب ولا تتناقض، ولو كان لها خالقان لكان هذا يخلُق أو هذا يتصرف في مخلوقاته بشيءٍ يُضاد تصرف الآخر، فإذا نظرنا إلى انتظام الكون علمنا أن مدبِّره وخالقه واحد، وهو الله سبحانه وتعالى. ثم إن المؤلف استطرد في هذه القاعدة إلى أنه يجب علينا ألا نخلد إلى الكسل والخمول، وعدم التأمل، وعدم استخراج منافع الأرض التي قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥]. ولكن مع الأسف أن المسلمين أخلدوا إلى الكسل، وناموا، وأضاعوا أوقاتهم في حرب بعضهم بعضًا، وقتال بعضهم بعضًا، حتى سبقتهم الأمم الكافرة، مع أن الكافر استعمل هذا الشيء للدنيا فقط، لكن المؤمن لو وُفِّق المسلمون إلى العمل بهذه الأشياء لكانوا يعملونها للدنيا وللآخرة.فهذه القاعدة مهمة عظيمة، وهي النظر في هذه المخلوقات العظيمة من حيث الدلالة على خالقها ووحدانيته، وما تتضمنه من أنواع صفاته، كالرحمة والعلم والحكمة والقدرة وما إلى ذلك. والثاني: من جهة أنه ينبغي لنا أن نستعمل عقولنا وأفكارنا في استخراج منافعنا من هذه المخلوقات.

***

الطالب:

القاعدة الثامنة والخمسون

إذا أراد الله إظهار شرف أنبيائه وأصفيائه بالصفات الكاملة أراهم نقصها في غيرهم من المستعدين للكمال

وذلك في أمور كثيرة وردت في القرآن؛ منها: لما أراد الله إظهار شرف آدم على الملائكة بالعلم، وعلَّمه أسماء كل شيء، ثم امتحن الملائكة، فعجزوا عن معرفتها، فحينئذٍ نبأهم آدم عنها، فخضعوا لعلمه، وعرفوا فضله وشرفه.ولمَّا أراد الله تعالى إظهار شرف يوسف في سعة العِلم والتعبير، رأى الْملِك تلك الرؤيا، وعرضها على كل من لديه علم ومعرفة فعجزوا عن معرفتها. ثم بعد ذلك عَبَرها يوسف ذلك التعبير العجيب، الذي ظهر به من فضله وشرفه وتعظيم الخلق له شيءٌ لا يمكن التعبير عنه، ولما عارض فرعون الآيات..الشيخ: رؤيا الملك واضحة تعرفونها؟ طلبة: نعم. الشيخ: ما هي رؤيا الملك؟طالب: سَبْع بقرات عجاف يأكلن.. الشيخ: سبعًا سِمانًا. الطالب: يأكلن سبع سِمان. الشيخ: سِمانًا.الطالب: سمان.الشيخ: سمان ولا سمانًا؟الطالب: إن وقفت سِمان، وإن كملت سمانًا. الشيخ: لا، إذا وقفت سِمانا بالألف. الطالب: أنت تقول سمانًا. الشيخ: المهم هل (...)؟الطالب: رأى (...). الشيخ: سبع بقرات.الطالب: سِمَانا يَأْكُلُن سَبْعًا عِجَافا.طالب آخر: يَأْكُلُهُنَّ، عكس.الشيخ: هو عكس السِّمَان يَأْكُلهن سبع عِجَافٌ. الطالب: العجاف ويش هي؟الشيخ: الهزيلات، في الرؤيا؛ سبع بقرات سمان يَأْكُلُهن سَبْع عِجَاف، ويش رأى أيضًا؟ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف: ٤٣] هذه ما قال: يأكلن الخضر؛ لأن (...) ما يأكل بعضه بعضًا، لكن البقر.الطالب: ما يأكل. الشيخ: لا، يأكل، إذا جاعت أكلت.الذين يعبُرون الرؤيا قالوا: لا نعرف، قالوا: هذه أضغاث أحلام، وأما يوسف عليه الصلاة والسلام فعبرها تعبيرًا عجيبًا، فقال لهم: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف: ٤٧] كلها ريف وخصب وزرع كامل.فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف: ٤٧]، وإنما أرشدهم إلى إبقائه في سنبله؛ لأن الحب إذا بقي في السنبل ما يسوّس.ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف: ٤٨] شوف إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ؛ يعني: تحفظونه وتحرزونه، وهذا يدل على أن الشيء عندهم شحيح، يتواصون بحفظه وتحصينه.ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٩].كم هذه من سنة؟ أربعة عشر؛ لأنه رأى سبعًا وسبعًا؛ أربعة عشر، وإنما قال: يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ [يوسف: ٤٩]؛ لأنه فهم ذلك من الحصر، (سبع وسبع)، والعدد المحصور له منتهى، فصار الأمر كما ذكر عليه الصلاة والسلام.

***

الطالب: ولما عارض فرعون الآيات التي أرسل الله بها موسى، وزعم أنه سيأتي بسحر يغلبه، فجمع كل سحَّار عليم من جميع أنحاء المملكة، واجتمع الناس في يوم عيدهم، وألقى السحرة عِصيهم وحبالهم في ذلك المجمع العظيم، وأظهروا للناس من عجائب السحر: فسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦].فحينئذٍ ألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف، وتبتلع بمرأى الناس جميع حبالهم وعصيهم، فظهرت هذه الآية الكبرى، وصار أهل الصَّنعة أوّل من خضع لها ظاهرًا وباطنًا، ولما نكص..الشيخ: وهذه أيضًا مما أظهر الله الأنبياء على غيرهم فيها.الطالب: في حال المملكة (...).الشيخ: في مصر. الطالب: (...).الشيخ: لا، ما هو قال: المملكة السعودية، لا المملكة مملكة فرعون.

***

الطالب: ولما نكص أهل الأرض من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتمالأ عليه جميع أعدائه، ومكروا مكرتهم الكبرى للإيقاع به، نصره الله ذلك النصر العجيب، فإن نصر المنفرد الذي أحاط به عدوه الشديد حَرْدُه، القوي مكره، الذي جمع كل كيده ليوقع به أشد الأخذات وأعظم النكايات، وتخلُّصه وانفراج الأمر له من أعظم أنواع النصر. كما ذكر الله هذه الحال التي عاتب بها أهل الأرض، فقال: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠] فَأَيَّدَهُ وأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا. الآية.وقريب من هذا: نصره إياه يوم حُنين، حيث أعجبت الناسَ كثرتهم، فلم تُغنِ عنهم شيئًا، وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت ثم ولَّوا مدبرين، وثبت صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه سكينته ونصره في هذه الحالة الحرجة، فكان لهذا النصرِ من الوقع الكبير ما لا يُعبَّر عنه. وكذلك ما ذكره الله من الشدائد التي جرت على أنبيائه وأصفيائه، وأنه إذا اشتد البأس، وكاد أن يستولي على النفوس اليأس، أنزل الله فَرَجَهُ ونصره ليصير لذلك موقع في القلوب، وليعرف العبادُ ألطاف علَّام الغيوب، ويُقارب هذا المعنى: إنزاله الغيث على العباد، بعد أن كانوا من قبل أن ينزَّل عليهم من قبله لمبلسين، فيحصل من آثار رحمة الله، والاستبشار بفضله، ما يملأ القلوب رحمة وشكرًا وثناءً على الباري تعالى. وكذلك يُذكِّرهم نعمه بلفت أنظارهم إلى تأمل ضدها، كقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام: ٤٦]، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةَِالآيات [القصص: ٧١-٧٣].وتلمح على هذا المعنى قصة يعقوب وبنيه، حين اشتدت بهم الأزمة ودخلوا على يوسف، وقالوا: قد مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّالآية [يوسف: ٨٨]، ثم بعد قليل قال: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف: ٩٩].في تلك النعمة الواسعة والعيش الرغيد والعِز المكين، والجاه العريض، فتبارك من لا يُدرك العباد من ألطافه ودقيق بِرِّه أقل القليل.ويُناسب هذا من ألطاف الباري أنَّ الله يذكِّر عباده في أثناء المصائب ما يقابلها من النِّعم، لئلا تسترسل النفوس للجزع؛ فإنها إذا قابلت بين المصائب والنِّعم خفَّت عليها المصائب، وهان عليها حِملها، كما ذكَّر الله المؤمنين حيث أُصيبوا بأُحُدٍ ما أصابوا من المشركين ببدر، فقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا [آل عمران: ١٦٥]. وأدخل هذه الآية في أثناء قصة أحد وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣]. ويبشِّر عبده بالمخرج منها حين تباشره المصائب ليكون هذا الرجاء مخفِّفًا لِمَا نزل من البلاء، فقال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف: ١٥].وكذلك رؤيا يوسف إذا ذكرها يعقوب رجا الفرج وهبَّ على قلبه نسيم الرجاء؛ ولهذا قال: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: ٨٧]، وكذلك قوله تعالى لأم موسى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧]. وأعظم من ذلك كله أنَّ وعد الله لرسله بالنصر وتمام الأمر هوَّن عليهم المشقات، وسهَّل عليهم الكريهات، فتلقوها بقلوب مطمئنة وصدور منشرحة، وألطاف الباري فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.

***

القاعدة التاسعة والخمسون

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: ٩]

ما أعظمَ هذه القاعدة، والأصل العظيم الذي نصَّ الله عليه نصًّا صريحًا، وعمَّم ذلك، ولم يقيِّده بحالةٍ من الأحوال، فكل حال هي أقوم في العقائد، والأخلاق، والأعمال، والسياسات الكبار، والصغار، والصناعات، والأعمال الدينية، والدنيوية، فإن القرآن يهدي إليها، ويُرشد إليها، ويأمر بها، ويحث عليها. ومعنى أَقْوَمُأي: أكمل، وأصلح، وأعظم قيامًا وصلاحًا، فأما العقائد فإن عقائد القرآن هي العقائد النافعة التي فيها صلاح القلوب وغذاؤها وكمالها، فإنها تملأ القلوب محبة لله وتعظيمًا له وأُلوهيةً وإنابة، وهذا المعنى هو الذي أوجد الله الخلق لأجله.وأما أخلاقه التي يدعو إليها؛ فإنه يدعو إلى التحلِّي بكل خُلُقٍ جميل؛ من الصبر، والحلم، والعفو، وحُسن الخُلق والأدب، وجميع مكارم الأخلاق، ويحث عليها بكل طريق، ويُرشد إليها بكل وسيلة.وأما الأعمال الدينية التي يهدي إليها، فهي أحسن الأعمال التي فيها القيام بحقوق الله، وحقوق العباد على أكمل الحالات وأجلِّها وأسهلها، وأوصلها إلى المقاصد.وأمَّا السياساتُ الدينية والدنيوية فهو يُرشد إلى سلوك الطرق النافعة في تحصيل المصالح الكلية، وفي دفع المفاسد، ويأمر بالتشاور على ما لم تتضح مصلحته والعمل بما تقتضيه المصلحة في كلِّ وقت، بما يناسب ذلك الوقت والحال، حتى في سياسة العبد مع أولاده وأهله، وخادمه، وأصحابه، ومعامليه، فلا يمكن أنه وُجِد، ويوجد حالة يتفق العقلاء أنها أقوم من غيرها، وأصلح إلَّا والقرآن يُرشد إليها نصًّا أو ظاهرًا، أو دخولًا تحت قاعدة من قواعده الكلية. وتفصيل هذه القاعدة لا يمكن استيفاؤه، وبالجملة: فالتفاصيل الواردة في القرآن وفي السُّنَّة من الأوامر والنواهى والإخبارات كلها تفصيل لهذا الأصل المحيط.وبهذا وغيره يتبيَّن لك أنه لا يمكن أن يرد علم صحيح أو معنى نافع، أو طريق صلاح يُنافي القرآن، والله تعالى وليّ الإحسان. الشيخ: في هذه القاعدة إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُيتبين لنا أن جميع القوانين المعارضة للقرآن كلها لا خير فيها، وأنه إن قُدِّر فيها خير فما في القرآن خير وأشد وأثبت وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣]، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: ٦٦ - ٦٨]. والحاصل أن كل ما كان أقوم في العقائد، والأقوال، والأعمال، والأخلاق، والسياسات، والمعاملات، والمتروكات، والمنهيات، فإن القرآن يهدي إليه. ونأخذ من هذا قواعد عظيمة: منها: إذا تعارض مصلحتان أحدهما أنفع، أخذنا بالأنفع. ومنها: إذا تعارض مفسدتان أحدهما أشد أخذنا بالأخف.وعلى هذا فقس؛ فكل ما كان أقوم كان القرآن يهدي إليه، والعكس بالعكس، وكل ما كان أعوج وأردأ وأسوأ فإن القرآن لا يهدي إليه، بل يهدي إلى ضده وعكسه.

***

الطالب:

القاعدة الستون

من قواعد التعليم الذي أرشد الله إليه في كتابه أن القصص المبسوطة يجملها في كلمات يسيرة، ثم يبسطها والأمور المهمة ينتقل في تقريرها نفيًا وإثباتًا من درجة إلى أعلى أو أنزل منهاوهذه قاعدة نافعة، فإن هذا الأسلوب العجيب يصير له موقع كبير، وتُقرَّر فيه المطالب المهمة..

أو في وقت من الأوقات، فالمهم أننا نقول: ما دام الله أنعم علينا فإنه ينبغي لنا أن نسلك بأنفسنا التيسير، فإذا كان لا بد من العُسر في أداء العبادة، فإن ذلك على حسب الأجر.
لو كان إذا ذهبت مثلًا لصلاة الجماعة في ليلةٍ باردة صار عليك مشقة، نقول: لا بأس بهذا، هذا لك أجرٌ فيه، ومن الرباط الذي يرفع الله به الدرجات ويمحو به الخطايا: إسباغ الوضوء على المكاره، لا تقل: هو برد، أنا ما أُريد أن أتوضأ في البرد، لا، توضأ وأسبِغ الوضوء، وما حصل لك من المشقة فلك به أجر، لكن لو دار الأمر بين أن تسخِّن الماء أو تتوضأ به باردًا؟
طلبة: التسخينُ أولى.
الشيخ: التسخينُ أولى، ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله-: يُكره أن يتوضأ الإنسان بما اشتد حره أو برده، وعلَّلوا ذلك بأنه يمنع كمال الطهارة.
الطالب: القاعدة الأولى النهارده يا شيخ يعني قلنا: إن مَنْ سأل غير الله مسألة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك (...) يكون هذا على الإطلاق فيما إذا كان الإنسان يفهم أو إذا كان الإنسان جاهلًا ولا يعذر؟
الشيخ: أصل الجهل، كل إنسان جاهل جهلًا لا تفريط فيه فإنه معلوم، لكن بشرط ألا يكون فيه تفريط، والذي فيه تفريط أن يكون قد بلغه العلم، ولكن قال: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]؛ لأنَّ بعض الناس يبلغه أن هذا الشيء مُحرَّم، ويكون من جنس النعامة، تدُس رأسها في الرمل لأجل ألا ترى الصياد حتى يصيدها، هذا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]؟
تقول: يا أخي، اسأل العلماء، هذا حرام، كلا، ما أنا بسائل، أخشى أسأل يقولون: هذا حرام، ثم يتلو هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]، فهمت؟
فإذا كان هذا الرجل جاهلًا مرة ولم يبلغه الحق فإنه يعذر بجهله، لا فرق بين هذا وهذا، وقد نصَّ على ذلك شيخ الإسلام بن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وإن كان في كلام الثاني في بعض المواضع ما يدل على أنه لا يُعذر بالجهل في أصول الدين، ولكن كلامه الأول أصح، أنه يُعذر، لكن قد يكون الإنسان مُفرِّطًا في بعض المسائل، فلا يُعذر من هذه الناحية.
الطالب: مقياس الفرق بالعلم، إنسان قادر على العلم، والعلماء موجودون، ولكن طلب العلم، ثم يعمل بجهل؟
الشيخ: هو هذا العامي الآن، العامي يعتقد أن العلماء الذين أضلوه على حق، ما يدري.
الطالب: أنا ما أقصد مشكلة، أقصد إنسانًا موجودًا بين علماء، ولكن طلب العلم، ثم يقع في أخطاء ونعذره؟
الشيخ: لا بد إذا كان ما فرط، هذه عذر النبي عليه الصلاة والسلام أُناسًا أخطؤوا مع إمكانهم أن يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه بين أيديهم.

***

القاعدة الرابعة والخمسون: كثيرا ما ينفي الله الشيء لعدم فائدته وثمرته المقصودة منه، وإن كانت صورته موجودة
00:03:42

الطالب:

القاعدة الرابعة والخمسون

كثيرًا ما ينفي الله الشيء لانتفاء فائدته وثمرته المقصودة منه وإن كانت صورته موجودة

وذلك أنَّ الله خلق الإنسان وركَّب فيه القُوى مِنَ السمع، والبصر، والفؤاد وغيرها، ليعرف ربه، ويقوم بحقّه، فهذا المقصود منها، وبوجود ما خُلقت له تكمُل ويكمُل صاحبها، وبفقد ذلك يكون وجودها أضرَّ على الإنسان من فقدها، فإنها حُجَّة الله على عباده، ونعمته التي توجد بها مصالح الدين والدنيا.
فإمَّا أن تكون نعمة تامة إذا اقترن بها مقصودها، أو تكون محنة وحُجَّة على صاحبها إذا استعملها في غير ما خُلقت له، ولهذا كثيرًا ما ينفي الله تعالى هذه الأمور الثلاثة من أصناف الكفار والمنافقين كقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة:١٧١]، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأنعام: ٣٧]، وقال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: ١٧٩]، فأخبر أن صورها موجودة، ولكن فوائدها مفقودة، وقال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، وقال تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [الروم: ٥٢]، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١]، فأثبت لهم الكفر من كل وجه، فلم يكن دعواهم الإيمانَ ببعض من يقولون: آمنا به من الكتب والرسل بموجب لهم الدخول بالإيمان؛ لأن إيمانهم بهم مفقودة فائدته، حيث كذَّبوهم في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وغيره من الرسل الذين لم يؤمنوا بهم، وحيث أنكروا من براهين الإيمان أعظم من الطريق الذي أثبتوا به رسالة من ادعوا الإيمان به.
وكذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، لما كان الإيمان النافع هو الذي يتفق عليه القلب واللسان، وهو المثمر لكل خير، وكان المنافقون يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، نفى عنهم الإيمان لانتفاء فائدته وثمرته، ويشبه هذا ترتيب الباري كثيرًا من الواجبات والفروض على الإيمان كقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٢٢]، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣].
وقال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُإلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ [الأنفال: ٤١]، وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٢ - ٤].
وذلك أن الإيمان الواجب يقتضي أداء الفرائض والواجبات، ويقتضي اجتناب المحرمات، فما لم يحصُل ذلك فهو إلى الآن لم يتم ولم يتحقق، فإذا وُجِدت هذه الأمور تحقق، ولهذا قال: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.
وكذلك لما كان العلم الشرعي يقتضي العمل به، والانقياد لكتبه ورسله، قال تعالى عن أهل الكتاب المنحرفين: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٠١].
ونظير ذلك قول موسى عليه السلام، لما قال له بنو إسرائيل: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة: ٦٧]، فكما أن فقد العلم جهل، ففقْد العمل به جهل قبيح.

الشيخ: خلاصة هذه القاعدة: أنَّ الله تعالى قد ينفي الشيء لانتفاء ثمرته وفائدته، وهذا واقع في الكتاب والسُّنَّة، قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١].
وقال عَزَّ وَجَلَّ في آيات كثيرة: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، لَا يَعْقِلُونَوما أشبه ذلك، وهم عندهم علم وعندهم عقل، لكن لمَّا لم ينتفعوا بهذا، صار وجودهم كعدمه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ» .
مع أن الصلاة تُوجب ولو بحضرة الطعام، لكن نفاها لانتفاء ثمرتها وفائدتها؛ لأن من يدافع الأخبثين أو يحضره طعام يشتاق إليه فإنه سوف يصلي وقلبه معلَّق بهذا الشيء، منشغل بمدافعته، فتكون صلاته كأنها لا صلاة.
إذن من هذه القاعدة نأخذ، أو هذه القاعدة مضمونها: أنَّ الشيء قد يُنفى لانتفاء حقيقته، وهذا هو الأصل، وقد يُنفى لانتفاء ثمرته وفائدته، وهذا كثير، وإن كان خلاف الأصل، لكن ما لا يُنتفع به فوجوده كالعدم، بل إن وجوده أضرّ، فإن من لا يسمع إطلاقًا خير ممن يسمع ولا ينتفع، بلا شك، واضح يا جماعة القاعدة هذه؟
فإذا قال لك قائل: كيف يقول الله لهؤلاء الأذكياء: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَوما أشبه ذلك؟
نقول: لأنهم لم ينتفعوا بهذا العقل، فصار موجودًا كأنه معدوم.

***

القاعدة الخامسة والخمسون: يكتب للعبد عمله الذي باشره، ويكمل له ما شرع فيه وعجز عن تكميله قهرا عنه، ويكتب له ما نشأ عن عمله
00:11:23

الطالب:

القاعدة الخامسة والخمسون

يُكتب للعبد عمله الذي باشره، ويُكمَّل له ما شرع فيه وعجز عن تكميله، ويُكتب له ما نشأ عن عمله

فهذه الأمور الثلاثة..

الشيخ: ثلاثة أمور: يُكتب للعبد عمله الذى باشره، وهذا واضح مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام: ١٦٠]، ويكمَّل له ما شرع فيه ولم يكمِّله، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠].
والثالث: يُكتب له ما نشأ من عمله، «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» .
ويكتب له ما تركه لعذرٍ وكان يعمله، وهو موضع رابع، يُسوى له ما كان يعمله وتركه لعذر، مثل: مَنْ مرض أو سافر كُتب له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا، فهذه أربعة أمور كلها تُكتب للإنسان، أما النية مجرد النية، فإنه يُكتب للإنسان إذا تمنَّى العمل الصالح ولم يقدر عليه، يُكتب له أجر النية، ومن ذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام حين قسَّم الناس إلى أقسام:
منهم من آتاه الله مالًا فهو يُنفقه في طاعة الله، فقال الآخر الذي لم يُؤتَ المال: لو أنَّ لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل عمل فلان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ» .
بالنية لا بالعمل؛ لأنه لم يعمل وليس من عادته أن يعمله، فلو كان من عادته أن يعمله، لكُتب له ما كان يعمل إذا تركه لعذر.
فإن قلت: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ» قَالُوا: يَا رسول الله، وهم في المدينة؟ قال: «وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» ؟
فهذا يقتضي أنهم مشاركون في أجر العمل، أو ظاهره أنهم مشاركون في أجر العمل.
فالجواب: أن يُحمل هذا على من كان من عادتهم الخروج في الجهاد في سبيل الله، ولكن عُذروا، حبسهم العذر، وهؤلاء يؤتَون أجرهم كاملًا، أو يقال: ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهو معكم -يعني بنيّتهم- فيكون لهم أجر النية، لا أجر العمل، فصارت الأقسام كم؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: أربعة أو خمسة:
- مَنْ عمل عملًا كُتِبَ له أجر.
- مَنْ شرع فيه فلم يكمِّله كُتب له أجر.
- ما نشأ من عمله، وإن لم يكن على باله حين الفعل كُتب له أجر.
- ما كان يفعله وتركه لعذر يُكتب له أجر.
- ما تمنَّاه ولم يقدر عليه يُكتب له أجر، لكن أجر النية فقط لا أجر العمل.
والدليل على أنه أجر النية فقط: أن الفقراء لَمَّا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكون قالوا: يا رسول الله، سبق أهل الدثور بالأجور والدرجات العُلا، ثم ذكروا أنهم يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُعتقون ولا نُعتق، فأخبرهم بأن يسبِّحوا ويحمدوا ويكبِّروا ثلاثًا وثلاثين دُبر كل صلاة، وأنهم بذلك يدركون من سبقهم، ولا يكون أحد أفضل منهم، فلما سمع الأغنياء بذلك عملوا مثله، فجاء الفقراء فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا الأغنياء بما صنعنا فصنعوا مثله، فقال لهم: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» ، ولم يقل: لكم أجرهم بنيتكم، فهذا دليل على ما ذكرناه بأن من تمنَّى العمل، وليس من عادته فعله، ولا يستطيع فعله فإنه يُكتب له أجره بالنية.

***

الطالب: فهذه الأمور الثلاثة وردت في القرآن، أما الأعمال التي باشرها العبد، فأكثر من أن تُحصى النصوص الدالة عليها؛ لقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة: ١٠٥]، لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦]، لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ [يونس: ٤١] ونحو ذلك.
وأما الأعمال التي شرع العبد فيها ولما يكملها، فقد دل عليها قوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠]، فهذا خرج للهجرة، وأدركه الأجل قبل تكميل عمله، فأخبر تعالى أنه وقع أجره على الله، فكل من شرع في عملٍ من أعمال الخير، ثم عجز عن إتمامه بموتٍ أو عجز بدني، أو عجز مالي، أو مانع داخلي أو خارجي، وكان من نيته لولا المانع لأتمه فقد وقع أجره على الله، فإنما الأعمال بالنيات.

طالب آخر: المراد بـ(لَمَّا) ولما يكملها؟
الشيخ: الظاهر أنها ما هي مرادة، تدل قرب التكميل له (...)، لما عندنا؛ لأن لما تفيد القرب؛ قرب الانتهاء.

***

الطالب: وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: ٦٩]، فكل من اجتهد في الخير هداه الله الطريق الموصلة إليه، سواء كمُل ذلك العمل، أو حصل له عائق عنه.
وأما آثار أعمال العبد: فقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا [يس: ١٢] أي: باشروا عمله.
وَآثَارَهُمْالتي ترتَّبت على أعمالهم من خير وشر، وقال في المجاهدين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ..

الشيخ: ويدل على هذا: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، والعكس السيئة، فالإنسان يُكتب له آثار عمله حتى وإن لم يقصدها، زرع رجل زرعًا، غرس غرسًا، فانتفع به من لم يخطر بباله أن ينتفع به يؤجر على ذلك؟ نعم، يؤجر على ذلك، وإن كان لم يكن في باله حين غرس الغرس، أو زرع الزرع، لكن هذا نشأ عن عمله.

***

الطالب: وقال في المجاهدين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: ١٢٠]، فكل هذه الأمور من آثار عملهم.
ثم ذكر أعمالهم التي باشروها بقوله: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةًإلى آخر الآية [التوبة: ١٢١] والأعمال التي هي من آثار عمله نوعان:
أحدهما: أن تقع بغير قصد من الإنسان، كأن يعمل أعمالًا صالحة خيرية، فيقتدي به غيره في هذا الخير، فإن ذلك من آثار عمله، وكمن يتزوج بغير نية حصول الأولاد الصالحين، فيعطيه الله أولادًا صالحين، فإنه ينتفع بهم وبدعائهم.
والثاني -وهو أشرف النوعين-: أن يقع ذلك بقصده، كمن علّم علمًا نافعًا، فنفس تعليمه ومباشرته له من أجلِّ الأعمال، ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك، فإنه من آثار عمله.
وكمن يفعل الخير ليقتدي به الناس، أو يتزوج لأجل حصول الذرية الصالحين، فيحصل مراده، فإن هذا من آثار عمله، وكذلك من يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا، أو يباشر صناعة مما ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد قصد بذلك حصول النفع، فما ترتب من نفع ديني أو دنيوي على هذا العمل فإنه من آثار عمله، وإن كان يأخذ على عمله الأخير أجرًا وعوضًا، فإن الله يُدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، وراميه، والمُمِد له.

الشيخ: طبعًا هذه القاعدة واضحة.
الطالب: ما يشكل عليه (...) معذورة شرعًا.
الشيخ: إي نعم، صحيح نقص دينها، لكنه نقص لا تُلام عليه.
الطالب: ولكن لماذا لا يحصل لها الأجر فتكون (...)؟
الشيخ: يكفي أجر الامتثال، كل إنسان ليس عنده مال فإنه ينقص دينه بعدم الزكاة، ومع ذلك ما يحصل الأجر لعدم وجود السبب.
الطالب: لكن (...) الصلاة والعبادات؟
الشيخ: نعم، لكن لما وُجد المانع، هذا المانع طغى على السبب، فزال أثره بالكلية.
الطالب: وهل لها أجر النية أو أجر العمل؟
الشيخ: أبدًا، ما لها شيء، لها أجر الامتثال بترك الصلاة.
الطالب: ما الفرق بينها وبين المريض يا شيخ؟
الشيخ: المريض كان من عادته أن يعمل.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هذه الظاهر -والله أعلم- أنه لما منعها الشرع ونهاها عن ذلك صارت ليست محلًّا للعمل الصالح الآن، فهي بمنزلة اليوم، يوم العيد مثلًا ليس محل الصوم، فلو صامه الإنسان لم يؤجر عليه، ولو نوى أنه يصومه لولا المانع ما يؤجر عليه، هذا هو الفرق.
طالب: بالنسبة (...) الآن الجهاد في أفغانستان، الإنسان لا يستطيع أن يذهب، ولكن يتمنى أن يحصل على الجهاد، هل يحصل على..؟
الشيخ: وهو ما يستطيع يتبرع.
طالب: لأنه ما عنده قوة وخبرة بالسلاح والرمي..
الشيخ: إذن يكون كالمريض إذا نوى بنية صادقة، فإن الله تعالى قد يبلغه منازل الشهداء كما جاء في الحديث: «مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنِيلُهُ دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ» .
الطالب: (...).
الشيخ: هذه ما هي الموانع، (...) هذه ليست موانع.
طالب: بر الوالدين.
الشيخ: لا، بِر الوالدين مقدَّم على الجهاد لا شك، فهنا تعارض مصلحتان؛ مصلحة البر ومصلحة الجهاد، ومصلحة البر أولى.
الطالب: لكن يحصل على أجر الجهاد؟
الشيخ: ما يحصل يقال: أنت الآن حصَّلت أجرًا خيرًا من ذلك.
الطالب: بالنسبة يا شيخ لعدم القدرة؛ يعني يتدرب.
الشيخ: منين يتدرب؟
طالب: لكن في نظام ما يسافر إلا من بلغ بعد العشرين لا بد من إذن الوالد صريح.
الشيخ: الآن صار، اللي ما بلغ واحدًا وعشرين، إي نعم.
على كل حال الجهاد في سبيل الله في الأفغان، الحمد لله الآن بذل المال جهاد، وأحد شطري الجهاد: المال والنفس.

***

القاعدة السادسة والخمسون: تحال المصالح على قدر الوسع والطاقة
00:25:36

الطالب:

القاعدة السادسة والخمسون

يُرشد القرآن المسلمين إلى قيام جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقوم بها، ويوفِّر وقته عليها لتقوم مصالحهم، وتكون وجهتهم جميعًا واحدة
وهذه من القواعد الجليلة، ومن السياسة الشرعية، فإن كثيرًا من المصالح العامة الكليَّة لا يمكن اشتغال الناس كُلهم بها، ولا يمكن تفويتها؛ فالطريق إلى حصولها ما أرشد الله عباده إليه، قال تعالى في الجهاد الذي هو من أعظم مصالح الدين والعلم: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [التوبة: ١٢٢].
فأمر أن يقوم بالجهاد طائفة كافية، وبالعلم طائفة أخرى، وأنَّ القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت، وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات الدالات على هذا الأصل الجليل والقاعدة النافعة، وبقيام كل طائفة منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها؛ لأن كل فرد مأمور أن يُراعي المصالح الكلية، ويكون سائرًا في جميع أعماله إليها، فلو وُفِّق المسلمون لسلوك هذا الطريق لاستقامت أحوالهم، وصلحت أمورهم، وانجابت عنهم شرور كثيرة، والله المستعان.

الشيخ: وهكذا الأمة الواحدة يكون كل طائفة منها تقوم بمصلحة؛ لأن قيام الجميع بالمصالح مُتعذّر، إذ لو فرضنا أن الناس اتجهوا إلى مصلحة واحدة معينة تعطلت المصالح الأخرى، وتركهم للمصالح الكلية أيضًا فساد، فلذلك نقول: المؤمنون يُعتبرون وإن كانوا أفرادًا متعددين، لكنهم كأنهم جسدٌ واحد، فالرِّجل للمشي، واليد للبطش، لو أن أحدًا قال: باخلِّي اليدين للمشي، والرِّجلين للبطش والأكل والشرب، يمكن ولَّا لا؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: طبعًا لا يمكن، كذلك الأصابع، كل أصبع له وظيفة خاصة يقوم بها، لا يمكن أن تجتمع الأصابع على وظيفة واحدة، ولا يمكن أن تتخلى عن الوظائف، هكذا الجسد الإسلامي يجب أن يكون المسلمون كلٌّ يسعى في مصلحة معينة تليق به، فالرَّجل مثلًا ضعيف الجسم قوي الذاكرة والحفظ والفهم، نقول: طلب العلم له أفضل، والرَّجل البليد القوي، قوي الجسم لكنه بليد؛ تكرِّر عليه المسألة أربعين مرة ما يحفظها إلا بخمسين مرة، إلا أنه شجاع ومقدام ومتمرس في الجهاد، نقول: الأفضل له الجهاد في سبيل الله، والرجل الآخر عنده حنكة في الصناعة، أو في الطب، أو ما أشبه ذلك، نقول: اتجه لهذا حتى تقوم الأمة الإسلامية كلٌّ بما يدرك ويختص به، هذا الذي ذكره الشيخ -رحمه الله- صحيح هي قاعدة نافعة.
وقد ذكر من القرآن أدلة وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢]، وقول: مَا كَانَيحتمل أن يكون مستحيلًا شرعًا أو مستحيلًا قدرًا وكونًا، وأقل الأمرين أن يكون مستحيلًا شرعًا، لا يمكن أن يذهبوا كلهم للجهاد، بل بعضهم يبقى للعلم، وبعضهم يذهب للجهاد فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢].
(...) أيضًا وزّع الجهاد، ما نقول: تخرج القبيلة الفلانية للجهاد وبقية القبائل يبقون، نقول: من كل فرقة منهم طائفة، نأخذ من بني تميم، من قريش، من كذا، من كذا من كذا، طائفة يتفقهون في الدين، وإذا تفقهوا في الدين، وحفظوا دين الله جاءت الفرقة المجاهدة فيُنْذَرون وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: ١٢٢]، وعلى هذا فالواو في قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة: ١٢٢] تعود على القاعدين أو على النافرين؟
طلبة: على القاعدين.
الشيخ: على القاعدين، والله عَزَّ وَجَلَّ قد جعل الجهاد في سبيل الله عديلًا للضرب في الأرض للتجارة، فقال: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُإلى آخره [المزمل: ٢٠].
كذلك أيضًا الآية الثانية التي ذكر: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران: ١٠٤] مِنْكُمْما هو كلكم، وإن كان بعض العلماء يقول: إن (مِن) بيانية؛ أي: ولتكونوا على هذا الوصف؛ يعني ولتكونوا أُمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، لكن المعنى الأول هو الذى عليه أكثر الناس، أي أنه يجب أن يكون من الأمة الإسلامية أُمة متفرِّغة لهذا الشيء، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ومن المعلوم أن الدعوة للخير لا بد أن يسبقها علم، وإلا كانت ضررًا، إذ إن الإنسان إذا دعا بدون علم صار ضرره أكثر من نفعه غالبًا، فلا بد من العلم حتى يكون الإنسان داعيًا إلى الله على بصيرة.

***

القاعدة السابعة والخمسون: في كيفية الاستدلال بخلق السماوات والأرض وما فيهما على التوحيد والمطالب العالية
00:32:49

الطالب:
قال رحمه الله تعالى:

القاعدة السابعة والخمسون

في كيفية الاستدلال بخلق السماوات والأرض وما فيهما على التوحيد والمطالب العالية

قد دعا الله عباده إلى التفكر بهذه المخلوقات في آيات كثيرة، وأثنى على المتفكرين فيها، وأخبر أنَّ فيها آياتٍ وعِبَرًا، فينبغي لنا أن نسلك الطريق المنتِج للمطلوب بأيسر ما يكون وأوضح ما يكون.
وحاصل ذلك على وجه الإجمال: أننا إذا تفكَّرنا في هذا الكون العظيم، عرفنا أنه لم يُوجد بغير موجد، ولا أوجد نفسه هذا أمرٌ بديهي فتيقنَّا أنَّ الذي أوجده الأول الذي ليس قبله شيء، كامل القدرة، عظيم السلطان، واسع العلم، وأن إيجاد الآدميين في النشأة الثانية للجزاء أسهل من هذا بكثير: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس [غافر: ٥٧]، وعرفنا بذلك أنه الحي القيوم، وإذا نظرنا ما فيها من الإحكام والإتقان والإحسان والإبداع عرفنا بذلك كمال حكمة الله..

الشيخ: قد عرفنا أنه الحي القيوم، كيف ذلك؟ لأنه لولا حياته لم يوجد، والقيوم على وزن (فَيْعُول)، فهو من صيغة المبالغة، وهو القائم بنفسه القائم على غيره.
ووجه ذلك أن هذه السماوات والأرض دائمًا تحتاج إلى من يقوم عليها، ولازم هذه الحاجة أن يكون الله تعالى قيُّوم عليها دائمًا، لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم.

***

الطالب: وإذا نظرنا ما فيها من الإحكام والإتقان والحسن والإبداع عرفنا بذلك كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه، وإذا رأينا ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية والكمالية التي لا تُعد ولا تحصى، عرفنا بذلك أنَّ الله واسع الرحمة، عظيم الفضل والبِر والإحسان والجود والامتنان.
وإذا رأينا ما فيها من التخصيصات فإن ذلك دالٌّ على إرادة الله ونفوذ مشيئته.
ونعرف بذلك كله أنَّ مَنْ هذه أوصافه وهذا شأنه هو الذي لا يستحق العبادة إلَّا هو، وأنه المحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يُصرف خالص الدعاء إلا له لا لغيره من المخلوقات المربوبات المفتقِرات إلى الله في جميع شؤونها.
ثم إذا نظرنا إليها من جهة أنها كلها خُلقت لمصالحنا، وأنها مسخَّرة لنا، وأن عناصرها وموادها وأرواحها قد مكَّن الله الآدمي من استخراج أصناف المنافع منها، عرفنا أن هذه الاختراعات الجديدة في الأوقات الأخيرة، من جملة المنافع التي خلقها الله لبني آدم فيها، فسلكنا بذلك كل طريق نقدر عليه في استخراج ما يُصلح أحوالنا منها، بحسب القدرة، ولم نخلُد إلى الكسل والبطالة، أو نُضيف علم هذه الأمور واستخراجها إلى علوم باطلة، بحُجَّة أن الكفار سبقوا إليها، وقاموا فيها، فإنها كلها كما نبَّه الله عليه داخلةٌ في تسخير الله الكون لنا، وأنه يُعلِّم الإنسان ما لم يعلم.

الشيخ: أما دلالة هذه المخلوقات على التوحيد من جهتين: الأول: أن هذه الأشياء كلها لا تتم إلَّا بازدواج شيئين، كل الأشياء لا تتم إلا بازدواج شيئين؛ قال الله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩].
وافتقار كل واحد من هذه المخلوقات إلى شيء آخر لتقوم العناصر دليل على وحدانية من جعل هذه الأشياء مفتقرًا بعضها إلى بعض.
ثانيًا: أنَّ هذه المخلوقات نظامها واحد، لا تضطرب ولا تتناقض، ولو كان لها خالقان لكان هذا يخلُق أو هذا يتصرف في مخلوقاته بشيءٍ يُضاد تصرف الآخر، فإذا نظرنا إلى انتظام الكون علمنا أن مدبِّره وخالقه واحد، وهو الله سبحانه وتعالى.
ثم إن المؤلف استطرد في هذه القاعدة إلى أنه يجب علينا ألا نخلد إلى الكسل والخمول، وعدم التأمل، وعدم استخراج منافع الأرض التي قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥].
ولكن مع الأسف أن المسلمين أخلدوا إلى الكسل، وناموا، وأضاعوا أوقاتهم في حرب بعضهم بعضًا، وقتال بعضهم بعضًا، حتى سبقتهم الأمم الكافرة، مع أن الكافر استعمل هذا الشيء للدنيا فقط، لكن المؤمن لو وُفِّق المسلمون إلى العمل بهذه الأشياء لكانوا يعملونها للدنيا وللآخرة.
فهذه القاعدة مهمة عظيمة، وهي النظر في هذه المخلوقات العظيمة من حيث الدلالة على خالقها ووحدانيته، وما تتضمنه من أنواع صفاته، كالرحمة والعلم والحكمة والقدرة وما إلى ذلك.
والثاني: من جهة أنه ينبغي لنا أن نستعمل عقولنا وأفكارنا في استخراج منافعنا من هذه المخلوقات.

***

القاعدة الثامنة والخمسون: الكمال إنما يظهر إذا قرن بضده
00:40:16

الطالب:

القاعدة الثامنة والخمسون

إذا أراد الله إظهار شرف أنبيائه وأصفيائه بالصفات الكاملة أراهم نقصها في غيرهم من المستعدين للكمال

وذلك في أمور كثيرة وردت في القرآن؛ منها: لما أراد الله إظهار شرف آدم على الملائكة بالعلم، وعلَّمه أسماء كل شيء، ثم امتحن الملائكة، فعجزوا عن معرفتها، فحينئذٍ نبأهم آدم عنها، فخضعوا لعلمه، وعرفوا فضله وشرفه.
ولمَّا أراد الله تعالى إظهار شرف يوسف في سعة العِلم والتعبير، رأى الْملِك تلك الرؤيا، وعرضها على كل من لديه علم ومعرفة فعجزوا عن معرفتها.
ثم بعد ذلك عَبَرها يوسف ذلك التعبير العجيب، الذي ظهر به من فضله وشرفه وتعظيم الخلق له شيءٌ لا يمكن التعبير عنه، ولما عارض فرعون الآيات..

الشيخ: رؤيا الملك واضحة تعرفونها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما هي رؤيا الملك؟
طالب: سَبْع بقرات عجاف يأكلن..
الشيخ: سبعًا سِمانًا.
الطالب: يأكلن سبع سِمان.
الشيخ: سِمانًا.
الطالب: سمان.
الشيخ: سمان ولا سمانًا؟
الطالب: إن وقفت سِمان، وإن كملت سمانًا.
الشيخ: لا، إذا وقفت سِمانا بالألف.
الطالب: أنت تقول سمانًا.
الشيخ: المهم هل (...)؟
الطالب: رأى (...).
الشيخ: سبع بقرات.
الطالب: سِمَانا يَأْكُلُن سَبْعًا عِجَافا.
طالب آخر: يَأْكُلُهُنَّ، عكس.
الشيخ: هو عكس السِّمَان يَأْكُلهن سبع عِجَافٌ.
الطالب: العجاف ويش هي؟
الشيخ: الهزيلات، في الرؤيا؛ سبع بقرات سمان يَأْكُلُهن سَبْع عِجَاف، ويش رأى أيضًا؟ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف: ٤٣] هذه ما قال: يأكلن الخضر؛ لأن (...) ما يأكل بعضه بعضًا، لكن البقر.
الطالب: ما يأكل.
الشيخ: لا، يأكل، إذا جاعت أكلت.
الذين يعبُرون الرؤيا قالوا: لا نعرف، قالوا: هذه أضغاث أحلام، وأما يوسف عليه الصلاة والسلام فعبرها تعبيرًا عجيبًا، فقال لهم: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا [يوسف: ٤٧] كلها ريف وخصب وزرع كامل.
فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف: ٤٧]، وإنما أرشدهم إلى إبقائه في سنبله؛ لأن الحب إذا بقي في السنبل ما يسوّس.
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [يوسف: ٤٨] شوف إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ؛ يعني: تحفظونه وتحرزونه، وهذا يدل على أن الشيء عندهم شحيح، يتواصون بحفظه وتحصينه.
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٩].
كم هذه من سنة؟ أربعة عشر؛ لأنه رأى سبعًا وسبعًا؛ أربعة عشر، وإنما قال: يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ [يوسف: ٤٩]؛ لأنه فهم ذلك من الحصر، (سبع وسبع)، والعدد المحصور له منتهى، فصار الأمر كما ذكر عليه الصلاة والسلام.

***

الطالب: ولما عارض فرعون الآيات التي أرسل الله بها موسى، وزعم أنه سيأتي بسحر يغلبه، فجمع كل سحَّار عليم من جميع أنحاء المملكة، واجتمع الناس في يوم عيدهم، وألقى السحرة عِصيهم وحبالهم في ذلك المجمع العظيم، وأظهروا للناس من عجائب السحر: فسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦].
فحينئذٍ ألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف، وتبتلع بمرأى الناس جميع حبالهم وعصيهم، فظهرت هذه الآية الكبرى، وصار أهل الصَّنعة أوّل من خضع لها ظاهرًا وباطنًا، ولما نكص..

الشيخ: وهذه أيضًا مما أظهر الله الأنبياء على غيرهم فيها.
الطالب: في حال المملكة (...).
الشيخ: في مصر.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو قال: المملكة السعودية، لا المملكة مملكة فرعون.

***

الطالب: ولما نكص أهل الأرض من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وتمالأ عليه جميع أعدائه، ومكروا مكرتهم الكبرى للإيقاع به، نصره الله ذلك النصر العجيب، فإن نصر المنفرد الذي أحاط به عدوه الشديد حَرْدُه، القوي مكره، الذي جمع كل كيده ليوقع به أشد الأخذات وأعظم النكايات، وتخلُّصه وانفراج الأمر له من أعظم أنواع النصر.
كما ذكر الله هذه الحال التي عاتب بها أهل الأرض، فقال: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠] فَأَيَّدَهُ وأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا. الآية.
وقريب من هذا: نصره إياه يوم حُنين، حيث أعجبت الناسَ كثرتهم، فلم تُغنِ عنهم شيئًا، وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت ثم ولَّوا مدبرين، وثبت صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه سكينته ونصره في هذه الحالة الحرجة، فكان لهذا النصرِ من الوقع الكبير ما لا يُعبَّر عنه.
وكذلك ما ذكره الله من الشدائد التي جرت على أنبيائه وأصفيائه، وأنه إذا اشتد البأس، وكاد أن يستولي على النفوس اليأس، أنزل الله فَرَجَهُ ونصره ليصير لذلك موقع في القلوب، وليعرف العبادُ ألطاف علَّام الغيوب، ويُقارب هذا المعنى: إنزاله الغيث على العباد، بعد أن كانوا من قبل أن ينزَّل عليهم من قبله لمبلسين، فيحصل من آثار رحمة الله، والاستبشار بفضله، ما يملأ القلوب رحمة وشكرًا وثناءً على الباري تعالى.
وكذلك يُذكِّرهم نعمه بلفت أنظارهم إلى تأمل ضدها، كقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام: ٤٦]، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةَِالآيات [القصص: ٧١-٧٣].
وتلمح على هذا المعنى قصة يعقوب وبنيه، حين اشتدت بهم الأزمة ودخلوا على يوسف، وقالوا: قد مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّالآية [يوسف: ٨٨]، ثم بعد قليل قال: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف: ٩٩].
في تلك النعمة الواسعة والعيش الرغيد والعِز المكين، والجاه العريض، فتبارك من لا يُدرك العباد من ألطافه ودقيق بِرِّه أقل القليل.
ويُناسب هذا من ألطاف الباري أنَّ الله يذكِّر عباده في أثناء المصائب ما يقابلها من النِّعم، لئلا تسترسل النفوس للجزع؛ فإنها إذا قابلت بين المصائب والنِّعم خفَّت عليها المصائب، وهان عليها حِملها، كما ذكَّر الله المؤمنين حيث أُصيبوا بأُحُدٍ ما أصابوا من المشركين ببدر، فقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا [آل عمران: ١٦٥].
وأدخل هذه الآية في أثناء قصة أحد وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣].
ويبشِّر عبده بالمخرج منها حين تباشره المصائب ليكون هذا الرجاء مخفِّفًا لِمَا نزل من البلاء، فقال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف: ١٥].
وكذلك رؤيا يوسف إذا ذكرها يعقوب رجا الفرج وهبَّ على قلبه نسيم الرجاء؛ ولهذا قال: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف: ٨٧]، وكذلك قوله تعالى لأم موسى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧].
وأعظم من ذلك كله أنَّ وعد الله لرسله بالنصر وتمام الأمر هوَّن عليهم المشقات، وسهَّل عليهم الكريهات، فتلقوها بقلوب مطمئنة وصدور منشرحة، وألطاف الباري فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.

***

القاعدة التاسعة والخمسون: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}
00:55:52

القاعدة التاسعة والخمسون

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: ٩]

ما أعظمَ هذه القاعدة، والأصل العظيم الذي نصَّ الله عليه نصًّا صريحًا، وعمَّم ذلك، ولم يقيِّده بحالةٍ من الأحوال، فكل حال هي أقوم في العقائد، والأخلاق، والأعمال، والسياسات الكبار، والصغار، والصناعات، والأعمال الدينية، والدنيوية، فإن القرآن يهدي إليها، ويُرشد إليها، ويأمر بها، ويحث عليها.
ومعنى أَقْوَمُأي: أكمل، وأصلح، وأعظم قيامًا وصلاحًا، فأما العقائد فإن عقائد القرآن هي العقائد النافعة التي فيها صلاح القلوب وغذاؤها وكمالها، فإنها تملأ القلوب محبة لله وتعظيمًا له وأُلوهيةً وإنابة، وهذا المعنى هو الذي أوجد الله الخلق لأجله.
وأما أخلاقه التي يدعو إليها؛ فإنه يدعو إلى التحلِّي بكل خُلُقٍ جميل؛ من الصبر، والحلم، والعفو، وحُسن الخُلق والأدب، وجميع مكارم الأخلاق، ويحث عليها بكل طريق، ويُرشد إليها بكل وسيلة.
وأما الأعمال الدينية التي يهدي إليها، فهي أحسن الأعمال التي فيها القيام بحقوق الله، وحقوق العباد على أكمل الحالات وأجلِّها وأسهلها، وأوصلها إلى المقاصد.
وأمَّا السياساتُ الدينية والدنيوية فهو يُرشد إلى سلوك الطرق النافعة في تحصيل المصالح الكلية، وفي دفع المفاسد، ويأمر بالتشاور على ما لم تتضح مصلحته والعمل بما تقتضيه المصلحة في كلِّ وقت، بما يناسب ذلك الوقت والحال، حتى في سياسة العبد مع أولاده وأهله، وخادمه، وأصحابه، ومعامليه، فلا يمكن أنه وُجِد، ويوجد حالة يتفق العقلاء أنها أقوم من غيرها، وأصلح إلَّا والقرآن يُرشد إليها نصًّا أو ظاهرًا، أو دخولًا تحت قاعدة من قواعده الكلية.
وتفصيل هذه القاعدة لا يمكن استيفاؤه، وبالجملة: فالتفاصيل الواردة في القرآن وفي السُّنَّة من الأوامر والنواهى والإخبارات كلها تفصيل لهذا الأصل المحيط.
وبهذا وغيره يتبيَّن لك أنه لا يمكن أن يرد علم صحيح أو معنى نافع، أو طريق صلاح يُنافي القرآن، والله تعالى وليّ الإحسان.

الشيخ: في هذه القاعدة إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُيتبين لنا أن جميع القوانين المعارضة للقرآن كلها لا خير فيها، وأنه إن قُدِّر فيها خير فما في القرآن خير وأشد وأثبت وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣]، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: ٦٦ - ٦٨].
والحاصل أن كل ما كان أقوم في العقائد، والأقوال، والأعمال، والأخلاق، والسياسات، والمعاملات، والمتروكات، والمنهيات، فإن القرآن يهدي إليه.
ونأخذ من هذا قواعد عظيمة:
منها: إذا تعارض مصلحتان أحدهما أنفع، أخذنا بالأنفع.
ومنها: إذا تعارض مفسدتان أحدهما أشد أخذنا بالأخف.
وعلى هذا فقس؛ فكل ما كان أقوم كان القرآن يهدي إليه، والعكس بالعكس، وكل ما كان أعوج وأردأ وأسوأ فإن القرآن لا يهدي إليه، بل يهدي إلى ضده وعكسه.

***

القاعدة الستون: أنواع التعليم القصصي في القرآن
01:01:20

الطالب:

القاعدة الستون

من قواعد التعليم الذي أرشد الله إليه في كتابه أن القصص المبسوطة يجملها في كلمات يسيرة، ثم يبسطها والأمور المهمة ينتقل في تقريرها نفيًا وإثباتًا من درجة إلى أعلى أو أنزل منها
وهذه قاعدة نافعة، فإن هذا الأسلوب العجيب يصير له موقع كبير، وتُقرَّر فيه المطالب المهمة..